IMG-20170619-WA0061

ليلة القدر .. والخلود

د. هداية الله أحمد الشاش

 قال لي ولدي ذات مرة: هل ندرك نحن البشر معنى الخلود ؟
نحن نعرف معناه الدوام والاستمرار، لكنني لا أستطيع أن أتخيل الزمن غير المتناهي! لو قلتُ أننا في الآخرة سنعيش تريلون عامًا؛ لكانت الترليون عامًا لا تعدو شيئًا مقارنة بالأبدية والخلود، لأن أي رقم مهما كبر لا يعدل شيئًا مقارنة بالعدد اللامتناهي.

قلت له: في الخلود هذا روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا”.

هذا الحديث يا بني يبين لنا الفرق بين ما نحن نعيشه من تغير وتجدد: حياة وموت.. صحة ومرض.. شباب وهرم، وبين الخلود الذي لا يتغير، فيصعب علينا إدراك ما ليس متجدد ومتغير، لكنها الحقيقة التي علينا أن نستعد لها.

قال لي: إذن هذا عمرنا كل جزء منه فرصة ذهبية لا بد أن نغتنمها، لأنها قصيرة وتحكم على مستقبلنا اللامتناهي.

قلت له: نعم، وهي فرصة تاريخية، حيث لا رجعة فيها ولا ينفع ندم! ونحن كبشر لا تروق لنا فكرة الموت، وهذا ابونا آدم أكل من الشجرة لأن الشيطان أغواه بأن الأكل منها يجعله من الخالدين!

قال لي: الحياة يا أمي مهما طالت بنا، وإن عشنا كنوح عليه السلام فهي قصيرة جدًا، لقد أخبرنا المعلم أن امرأة في زمن الأولين علمت أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم سيعيشون عمرًا قصيرًا فقالت: لو كنت في زمانهم لكانت حياتي سجدة واحدة!

قلت له: نحن إذًا أجدر بالسعي والعمل الصالح، لأن حياتنا أقصر من عمر الأولين، لكننا مثلهم في الخلود الأخروي، كما أن الله خصّنا بليلة القدر التي تطيل أعمارنا في كل سنة 1000 شهر أي نحو 84 سنة! إنها غاية في الإكرام الرباني، كل ساعة فيها تعدل 8 سنوات، وكل دقيقة تعدل 50 يومًا! كل حسنة تفعلها في هذه الليلة تساوي 30 ألف حسنة، كل حرف من القرآن تقرأه في هذه الليلة تنال بسببه أجرًا أكبر من 300 ألف حرف، وعدد حروف القرآن هو أكثر بقليل من 300 ألف حرف، فهذا يعني أنك قد قرأت القرآن كله فقط بقراءتك لحرف واحد! خاصة وأن ليلة القدر ليست مثل ألف شهر، بل إنها خير من ألف شهر!

قال لي بُني: إذن إن أدرك أحدنا في حياته 45 ليلة قدر في 45 عامًا – بعد أن يصبح مكلفًا- فهذا يعني أنه وإن عاش 60 عامًا ، لكنه كمن عاش نحو 4 آلاف عام، ولذلك فإنه في كل سنة تمر علينا لا بد أن نترقب هذه الليلة ونغتنمها؟

قلت له: أفلحتَ إن صدقتَ!

عن النشر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*