Screenshot_٢٠١٧-٠٢-٠١-١٢-٥٥-٤٧-1

الكامل” شعاع الثقافة وعبق التاريخ

يُخَيَّل إليَّ أن المحافظات الصغيرة والنائية كمحافظة (الكامل) بدأت تطلّق مرحلة الانكفاء على الذات أو مخاطبة الذات، وبدأت في لحظة انعتاق من حالة الخمول أو الذبول أو الدعة أو الاستسلام الذي تسبب فيه جور المدن الكبيرة فسلبها رواءها وبهاءها. ساعده على هذا الجور المثقفون والأدباء الذين لا يعرفون إلا التغني بالمدن والمدنية (حتى وإن ضاقت شوارع المدن وتلوث هواؤها وتصاعد دخان التجاذبات في ردهات مؤسساتها) فإذا غدت تلك المحافظات ضائعة مطمورة في أحشاء المدن بالأمس القريب فإنها اليوم واليوم فقط (واللجان المتعددة في محافظة الكامل تشرع أبوابها لشبابها) بدأت المحافظات تتجه إلى مرحلة حاسمة حازمة في برامجها ولجانها ومناشطها لا تخضع إلا للاستعداد للبذل والتضحية وأسباب النجاح والانتصار..وهذا لا يعني أنها لم تكن شيئًا مذكورًا لكنها كانت كغيرها تسير وئيدة الخطو كسيرة الجناح، تعاني من عدم سماع ندائها وعدم التلذذ بأندائها… كانت محافظة (الكامل) هادئة لا ترغب الإثارة ولا تسعى لتحفيز الانتباه؛ لأن أكثر أبنائها هجروها وهاجروا عنها، وربما كان مبعث الجفاء انقطاع أسباب التحضر والخدمات، وبعد الشقة بينها وبين المدن الكبيرة. لكن (الكامل) الكبيرة بتاريخها القابعة في أحضان جبال لها تأريخها الضارب في أعماق البحر الزمني منذ الأزل أزاحت عن سمائها الغمة التي غشيت عيون الأدباء والمؤرخين وعراب الآثار، وبدأت أرضها تنبجس فوارة من جديد لتوقف الجيل وتقف بهم ومعهم على مرابع (الخنساء) ومراجل (صخر) وصدى صهيل خيل (الخفاف بن ندبة) ولتقف بهم على عمق وثراء الزمن الدارس الذي تلمح بقاياه في بقايا مساقي العيون الجارية وأعجاز النخل الخاوية حزنا على فقد من غرسوها وألفوها، نعم! لتقف بهم على مآثر رعيل دونها التأريخ وطمس صفحاتها غبش الرؤية التمدنية، التي أزاحت من ذاكرتها شجاعة (العباس بن مرداس) وهو يطالب بما لقبيلته من حقوق دون أن يحيد إلى العقوق… إذن اليوم ونحن ننتظر عودة الحياة الأدبية والحضارية -وبخاصة بعد مضي ما يقارب العقد الزمني على افتتاح فرع لجامعة جدة في (الكامل) – نتلهف لجهود تجدد دارس الأدب والشعر والآثار والتراث الذي هو عنوان سكانها البارز، وتكسر قوائم الحواجز بين المدن والمحافظات، وتعلن أن للجبال عروسا كما للبحار والصحارى، وتستمطر حق العودة المكفول لأبنائها الذين هجروها طلبًا لتلبية هم (البيت والزيت). واليوم فقط يحقّ لي أن أدعو وسائل الإعلام لتتنادى وتتهادى لزيارة عروس الجبال ( الكامل)، ولتصافح أعين ومسامع أدباء لم يعرفوا موقعها المكاني والتأريخي، وأملي أن يتنادوا لا يلوون على شيء تمام كما يتنادوا حينما يحضر الأمير والشاعر خالد الفيصل للمحافظة، وهو الذي يبشر دائما بميلاد مشروع جديد فيها…

الكامل هي المحافظة التي بدأت من الآن تصافح التأريخ عبر أكثر من سبعة عشر قرنا، فانجابت الحجب الكثيفة، وانقشعت قزعات الغيم الحاجب لشمس الحقيقة، واستبان لشباب المحافظة أن (الكامل) هي الركن الذي يأوي إليه الأحفاد ليلتمسوا آثار الأجداد. كنت متفائلا حينما فُتِحَتْ (اللجنة الثقافية بمحافظة الكامل عام 2.13م) وكان الوعد بناد أدبي (كما وعد الفيصل وهو يفي دائما بما يعد) ظننت تلك البداية إشراقة جديدة بعد ليل بهيم عاشته المحافظة، وكابدت فيه وعورة الطريق وشح المياه وقلة الخدمات، وضعف الموارد، وسوء التخطيط والهجرة شبه الجماعية لكن أحلام النادي تلاشت واللجنة الثقافية انطمست معالمها وتبدلت الأحوال … وأملي أن تظل محافظة (الكامل)بجهود شبابها تلمع بروق الآمال على غواشيها، وتخفق أجنحة الثقافة والأدب في حواشيها، وسوف يستطيع أبناؤها البررة أن يرفعوا نداء الأدب والتراث من على منابرها؛ ليبلغوا القادم من بعيد أن أهل هذه المحافظة يدعون الجفلى ويشعلون نيران أدبهم على قمة (شمنصير) وعلى سفوح (رعي) ليتلقى زائرها الدفء في أحضان (ساية وستارة)… نعم سيقبلون عليها ليقبلوها ويعانقوا على ثراها التراث والأدب والآثار. وهنا أستسمح أبنائي وأخواني شباب المحافظة في همسة ود ومصافحة محب يدين (للكامل) بأنها ملهمته الأولى لمعاني الولاء للأرض، إذ روت بشعابها وهضابها ونخيلها جذور معرفته ووشت بحبه لها وغرامه بها وحرقته على خفوت صوتها فيما مضى. فأقول لهم: على قدر وضوح الهدف وصفاء الفكرة في أذهانكم تتحدد الحركة إن كانت في الاتجاه الصحيح أم لا… إنكم تنطلقون من أرضية غرسها الشاعر والأديب والحاكم خالد الفيصل، ولكن قد تكون هناك عوائق تؤثر سلبًا على حركة الوعي بالفكرة فتشتت أو تبطئ تحقيق الأهداف، وقد يعترض طريقكم بعض أعداء النجاح وقد يقومون بعمليات التشويش والتشويه لتفريغ المحتوى العطائي الأدبي الثقافي من قيمته كما يفعلون في الأندية الكبيرة، لكن أنتم الجيل الحي المتوثب، وأنتم الجيل المثقف الواعي ففيكم الإعلامي المهني المنصف وفيكم الأديب الحصيف، وفيكم الإداري الناجح، وفيكم المبدع في كل شيء، فكونوا الأقدر على صيانة ما أسس من قبلكم وحماية ما بناه أجدادكم من لوثات التخاذل ومنغصات التناطح والتجاذب، واحموا جهودكم من رذائل المتحذلقين والباحثين عن الأضواء على حساب الإنجاز أو أدعياء الثقافة بإحداث الانسجام والاتساق والتفاعل بينكم بعيدًا عن التناقض والنشاز. صوغوا من جهودكم وفكركم أنموذجًا للمؤسسات الفاعلة التي تتسابق على المناشط وتتنافس على الشخصيات وتتبارى في الملتقيات وتنطلق إلى مساحات الجذب والجلب للمبدعين والموهوبين من الأبناء والبنات من شباب المحافظة، فأنتم الغربال الذي سيبقي ما ينفع الناس في أرض (الكامل) الخصبة. ولكم التحية ولأمير المنطقة خالد الفيصل الشكر الامتنان. وألقاكم.

بقلم البرفيسور/ عبد الله عويقل السلمي

الأستاذ: بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة – رئيس نادي جدة الأدبي

عن سليم مهمل السلمي

(المدير العام للصحيفة ) والمؤسس لها .

تعليق واحد

  1. سلم يراعك يا أبا يوسف فقد سطرت ملحمة أدبية تاريخية في حب الكامل مهد الطفولة ومرتع الصبا والواجب على أبناء المنطقة كبير جدا ولعل ماكتبت يكون حافزا لهم ويقضة من سبات طويل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*